أبي حيان الأندلسي

169

البحر المحيط في التفسير

تحية بينهم ضرب وجيع وما ثوابه إلى السيف ، ومثاله أن يقال : هل لزيد مال وبنون ؟ فيقول : ماله وبنوه سلامة قلبه ، تريد نفي المال والبنين عنه ، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك . وإن شئت حملت الكلام على المعنى ، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى ، كأنه قيل : يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى اللّه بقلب سليم ، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه ، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه . انتهى . وجعله بعضهم استثناء مفرغا ، فمن مفعول ، والتقدير : لا ينفع مال ولا بنون أحدا إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البر ، وبنوه الصلحاء ، إذ كان أنفقه في طاعة اللّه ، وأرشد بنيه إلى الدين ، وعلمهم الشرائع وسلامة القلب ، خلوصه من الشرك والمعاصي ، وعلق الدنيا المتروكة وإن كانت مباحة كالمال والبنين . وقال سفيان : هو الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره ، وهذا يقتضي عمومه اللفظ ، ولكن السليم من الشرك هو الأعم . وقال الجنيد : بقلب لديغ من خشية اللّه ، والسليم : اللديغ . وقال الزمخشري : هو من بدع التفاسير وصدق . وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ : قربت لينظروا إليها ويغتبطوا بحشرهم إليها . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ : أظهرت وكشفت بحيث كانت بمرأى منهم كقوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 1 » ، وذلك على سبيل التوبيخ . هل ينفعونكم بنصرهم إياكم ، أو ينتصرون هم فينفعون أنفسهم بحمايتها ، إذ هم وأنتم وقود النار ؟ وقرأ الأعمش : فبرزت بالفاء ، جعل تبريز الجحيم بعد تقريب الجنة يعقبه ، وذلك لأن الواو للجمع ، فيمكن أن يكون كل واحد منهما ظهوره قبل الآخر ، وهو من تقديم الرحمة على العذاب ، وهو حسن ، لولا أن رسم المصحف بالواو . وقرأ مالك بن دينار : وَبُرِّزَتِ بالفتح والتخفيف ؛ الْجَحِيمُ بالرفع ، بإسناد الفعل إليها اتساعا . ولما وبخهم وقرعهم ، أخبر عن حال يوم القيامة ، وجيء في ذلك كله بلفظ الماضي في أتى وأزلفت وبرزت . وقيل : فَكُبْكِبُوا ، لتحقق وقوع ذلك ، وإن كان لم يقع . والضمير في : فكبكبوا عائد على الأصنام ، أجريت مجرى من يعقل . قال الكرماني : فكبكبوا : قذفوا فيها . وقيل : جمعوا . وقيل : هدروا . وقيل : نكسوا على رؤوسهم يموج بعضهم في بعض . وقيل : ألقوا في جهنم ينكبون مرة بعد مرة حتى يستقروا في قعرها . وَالْغاوُونَ : هم الكفرة الذين

--> ( 1 ) سورة الملك : 67 / 27 .